|
تـــــــــــــــــــــابع -
03-03-08, 07:14 am
موقف الصحابة ممن سب النبي صلى الله عليه وسلم
وكان الصحابة رضي الله عنهم يرون حكم القتل في من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يختلفوا في هذا ، فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبدالله بن مُطَرِّف عن أبي برزة قال : كنتُ عند أبي بكر رضي الله عنه ، فتغيَّض على رجل فاشتد عليه ، فقلت : تأذن لي يا خليفة رسول الله أضرب عنقه قال : فأذهَبَتْ كلمتي غضبه ، فقام فدخل ، فأرسل إليَّ فقال : ما الذي قُلَتَ آنفاً ؟ قلت : ائذن لي أضْرِبْ عنقه ، قال: أكنت فاعلاً لو أمرتك؟ قلت : نعم ، قال: لا ، والله ما كانت لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
روى الشَّعبيُّ عن علي أن يهوديةً كانت تَشْتُم النبي صلى الله عليه وسلم وتَقَع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأَبْطَل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها، (قال ابن تيمية في الصارم : رواه أبو داود في سننه وابن بطة في سننه وهو من جملة ما استدلَّ به الإمامُ أحمد في رواية ابنه عبدالله ، وقال: ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: كان رجل من المسلمين - أعني أعمى - يَأْوِي إلى امرأة يهودية، فكانت تُطْعِمه وتحسن إليه، فكانت لا تزال تشتم النبي وتؤذيه ، فلما كان ليلة من الليالي خَنَقَها فماتت ، فلما أصبح ذُكِر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنشد الناس في أمرها ، فقام الأعمى فذكر له أمرها ، فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها. (قال ابن تيمية في الصارم المسلول : وهذا الحديث جيد .... إلى أن قال رحمه الله "وهذا الحديث نَصٌّ في جواز قتلها لأجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، ودليل على قتل الرجل الذمي وقتل المسلم والمسلمة إذا سبَّا بطريق الأَولى؛ لأن هذه المرأة كانت مُوادعة مُهادِنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وَادَعَ جميع اليهود الذين كانوا بها مُوَادَعة مطلقة، ولم يضرب عليهم جِزْيَةً، وهذا مشهور عند أهل العلم بمنزلة المتواتر بينهم، حتى قال الشافعي: "لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادَعَ يهود كافة على غير جزية". وهو كما قال الشافعي. (الصارم المسلول :ج1) ..
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعْمَى كانت له أمُّ ولدٍ تَشْتُمُ النبي صلى الله عليه وسلم وتَقَعُ فيه؛ فَيَنْهَاها فلا تَنْتَهِي، ويزجرها فلا تنزجر فلما كان ذات ليلة جَعَلَت تقعُ في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه؛ فأخَذَ المِغْول فوضَعَه في بطنها واتَّكَأَ عليها فقتلها ، فلما أصْبَحَ ذُكِرَ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجمع الناسَ فقال: "أنْشدُ الله رَجُلاً فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌ إِلاَّ قَامَ"، فقام الأعْمَى يتخطَّى الناسَ وهو يتدلدل، حتى قَعَدَ بين يَدَي النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله أنا صَاحِبُهَا، كانت تشتمك و تَقَعُ فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجُرُها فلا تَنزَجر، ولي منها ابْنَانِ مِثْلُ اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقعُ فيك، فأخذت المِغْول فوضعته في بطنها واتَّكَأْتُ عليه حتى قتلتُهَا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "ألا اشْهَدُوا أنَّ دَمَهَا هَدَرٌ" (رواه أبو داود والنسائي).
وروى أبو إسحاق الفَزَارِي في كتابه المشهور في السير عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن سُميع عن مالك بن عمير قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لقيت أبي في المشركين ، فسمعت منه مقالة قبيحة لك ، فما صبرت أن طعنته بالرمح فقتلته، فما شقَّ ذلك عليه.
وهذا الصحابي عمير بن عدي حين بلغه أذى بنت مروان للنبي صلى الله عليه وسلم في وقعة بدر ، قال : اللهم إنَّ عليَّ نذراً لئن رددت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأَقتلنَّها، فقتلها بدون إذن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "إِذَا أَحْبَبْتُم أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ نَصَرَ اللهَ وَرَسُولَه بِالغَيْبِ فَانْظُرُوا إِلَى عُمَيْر بنِ عَدِيٍّ".
وروى حَرْبٌ في مسائله عن لَيْث بن أبي سُلَيم عن مجاهد قال: أُتي عُمَرُ برَجُل سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقتله ، ثم قال عمر: مَنْ سَبَّ الله أو سب أحداً من الأنبياء فاقتلوه ، قال ليث : وحدثني مجاهد عن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحداً من الأنبياء فقد كَذَّبَ برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي رِدَّةٌ، يُسْتتاب فإنْ رَجَع وإلا قُتِلَ، وأيما معاهدٍ عاند فسب الله أو سبّ أحداً من الأنبياء أو جهر به فقد نَقَضَ العهد فاقتلوه. (الصارم المسلول : ج1) ..
قال شيخ الإسلام رحمه الله "وهذا الذي ذكرناه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحتم قتل مَنْ كان يسبه من المشركين مع العفو عَمْن هو مثله في الكفر كان مستقراً في نفوس أصحابه على عهده وبعد عهده، يقصدون قتل السابِّ، و يحرضون عليه، وإن أمسكوا عن غيره، ويجعلون ذلك هو الموجب لقتله، ويبذلون في ذلك نفوسهم، كما تقدم من حديث الذي قال: سُبَّني وسُب أبي وأمي وكُفَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حمل عليه حتى قتل، وحديث الذي قتل أباه لما سمعه يسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث الأنصاريِّ الذي نَذَرَ أن يقتل العَصْماءَ فَقَتَلَهَا، وحديث الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح وكَفَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعته ليوفي بنذره. (الصارم المسلول :ج1) ..
الجن ينتصرون للنبي صلى الله عليه وسلم
قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه : حدثني محمد بن سعيد - يعني عمه – قال : قال محمد بن المُنْكَدِر: إنه ذُكِر له عن ابن عباس أنه قال: هتف هاتف من الجن على جبل أبي قبيس، فقال:
قَـبَّحَ اللهُ رَأْيَكُـمْ آلَ فِـهْرٍ ... مَـا أَدَقَّ العُقُولَ وَ الأَحْلامِ
حِيْنَ تُغْضِي لـمنْ يَعِيْبُ عَلَيْهَا ... دِيْـنَ آبَائِها الحُْمَاةِ الكِرَامِ
حَالَفَ الجِنّ جِنّ بُصْرَى عَلَيْكُمْ ... وَرِجَـال النَّخِيْلِ والآطَامِ
تُوشِكُ الْـَخيْلُ أنْ تَرَوْهَا نَهَاراً ... تَقْـتُلُ القَوْمَ فِي حرامِ تِهَامِ
هَلْ كَـرِيمٌ مِنْكُمْ لَهُ نَفْسُ حُرٍّ ... مَاجِدُ الْجَـدَّتَيْنِ والأَعْمَامِ
ضَـارِباً ضَـرْبَةً تَكُونُ نَكَالاً ... وَرَوَاحـاً مِنْ كُرْبَةٍ وَاغْتِنَامِ
قال ابن عباس: فأصبح هذا الشعر حديثاً لأهل مكة، يتناشدوه بينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هَذَا شَيْطَانٌ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الأَوثَان يُقَالُ لَهُ: مِسْعَر، وَاللهُ مُخْزِيهِ" فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول:
نَحْنُ قَتَلْنَا فِي ثَلاثٍ مِسْعَرَاً ... إِذْ سَفَّهَ الْحَقَّ وَسَنَّ الْمُنكَرَا
قَنَّعْتُُهُ سَيْفاً حُسـَاماً مُبَتّراً ... بِشَتْـمِهِ نَبِيِّـنَا المُطَـهَّرَا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "هَذَا عِفْرِيتٌ مِن الجِنَّ اسْمُه سَمْحَج، آمَنَ بِي ، سَمَّيتُهُ عَبْدَاللهِ ، أَخْبَرنِي أَنَّهُ فِي طَلَبِهِ مُنْذُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ"، فقال علي : جزاه الله خيرا يا رسول الله.
أقوال العلماء في من سب النبي صلى الله عليه وسلم
صدّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول" (صلى الله عليه وسلم) كلامه بـ : "المسألة الأولى : أنَّ مَنْ سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو كافر فانه يجب قتله ، هذا مذهَبُ عامةِ أهلِ العلم، قال ابنُ المُنْذِرِ: "أجمعَ عوامُّ أهلِ العلمِ على أَنَّ حَدَّ من سَبَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم القتل، وممن قاله مالكٌ واللَّيثُ وأحمدُ وإسحاقُ، وهو مذهبُ الشافعي ..." (الصارم المسلول :ج1) ..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله : "تحرير القول في حكم الساب ، وتحرير القول فيها : أنَّ السابَّ إن كان مسلماً فانه يَكفُرُ ويُقْتَلُ بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم ممن حكى الإجماعَ على ذلك من الأئمة مثل إسحاقُ بن رَاهُوْيَه وغيره، وان كان ذمِّيّاً فانه يقتل أيضاً في مذهب مالكٍ وأهْلِ المدينة، وسيأتي حكايةُ ألفاظهم ، وهو مذهبُ أحمد وفقهاءِ الحديث وقد نَصَّ أحمدُ على ذلك في مواضعَ متعددة. "قال حَنْبَل: سمعت أبا عبدالله يقول: "كلُّ من شتم النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقَّصه - مسلماً كان أو كافراً - فعليه القتلُ، وأرى أن يُقتل ولا يُستتاب". (الصارم المسلول :ج1) ..
قال شيخ الإسلام رحمه الله : "قال أبو الصقر: سألت أبا عبدالله عن رجل من أهل الذمَّة شتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، ماذا عليه؟ قال : إذا قامت عليه البينة يقتل مَنْ شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، مسلماً كان أو كافراً"، رواهما الخَلاَّل.
وقال في رواية عبدالله وأبي طالب وقد سُئل عمن شتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "يُقتل"، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها : حديثُ الأعمى الذي قَتَلَ المرأة ، قال : سمعتها تَشتمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، وحديثُ حصينٍ أن ابن عمر قال : من شتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم قُتل ، وعمر ابن عبدالعزيز يقول : يُقتل، وذلك أنه من شتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم فهو مُرْتَدٌّ عن الإسلام ، ولا يشتم مسلمٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم".
زاد عبدُالله: "سألتُ أبي عمن شتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، يُستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتلُ، ولا يُستتاب؛ خالد بن الوليد قَتَلَ رجلاً شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يَسْتَتِبْه"، رواهما أبو بكر في "الشافي"، وفي رواية أبي طالب: "سئل أحمدُ عمن شتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، قال: يُقْتَلُ، قد نَقَضَ العَهْدَ.
وقال حرب: "سألتُ أحمد عن رجلٍ من أهل الذمة شتم النبيَّ ، قال: يقتل، إذا شتم النبيَّ". رواهما الخَلاَّل، وقد نص على هذا في غير هذه الجوابات.
فأقوالُه كلُّها نصٌّ في وجوب قتله، وفي أنه قد نقض العهد، وليس عنه في هذا اختلافٌ. (الصارم المسلول :ج1) ..
وقال ابن تيمية بعد أن ذكر أحاديث قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم وناله منه "فهذه الأحاديث كلها تدل على أن من كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذيه من الكفار فإنه كان يقصد قتله ، ويحض عليه لأجل ذلك، وكذلك أصحابه بأمر يفعلون ذلك، مع كَفِّه عن غيره ممن هو على مثل حاله في أنه كافر غير معاهد، بل مع أمانه لأولئك أو إحسانه إليهم من غير عهد بينه وبينهم" (الصارم المسلول : ج1) ..
وقال "بما ذكرناه من هذه الأحاديث أن الساب يجب قتله ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الساب في مواضع، والأمر يقتضي الوجوب، ولم يبلغه عن أحد السب إلا ندر دمه [أي: أهدر دمه] ، وكذلك أصحابه، هذا مع ما قد كان يمكنه من العفو عنه، فحيث لا يمكنه العفو عنه يجب أن يكون قتل الساب أوكد ، والحرص عليه أشد ، وهذا الفعل منه هو نوع من الجهاد والإغلاظ على الكافرين والمنافقين وإظهار دين الله وإعلاء كلمته ، ومعلوم أن هذا واجب" (الصارم المسلول : ج1)
عن خُلَيْد أن رجلاً سب عمر بن عبد العزيز، فكتب عمر: "إنه لا يُقتل إلا من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن اجلده على رأسه أسواطاً، ولولا أني أعلم أن ذلك خيرٌ له لم أفعل" رواه حرب وذكره الإمام أحمد ، و هذا مشهور عن عمر بن عبدالعزيز ، وهو خليفة راشد عالم بالسنة متبع لها. (الصارم المسلول : ج1) ..
وقال شيخ الإسلام رحمه الله "تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب حسب الإمكان؛ لأنه من تمام ظهور دين الله وعلو كلمة الله وكون الدين كله لله، فحيث ما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين ظاهراً ولا كلمة الله عالية ، وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والسُّرَّاق وقُطَّاع الطريق بحسب الإمكان ، بخلاف تطهيرها من أصل الكفر فإنه ليس بواجب، لجواز إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة لأن إقرارهم بالذمة ملتزمين جَرَيان حكم الله ورسوله عليهم لا ينافي إظهار الدين وعلو الكلمة، وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز أو المصلحة المرجوة في ذلك، وكل جناية وجب تطهير الأرض منها بحسب القدرة يتعين عقوبة فاعلها العقوبة المحدودة في الشرع إذا لم يكن لها مستحق معين، فوجب أن يتعين قتل هذا؛ لأنه ليس لهذه الجناية مستحق معين ، لأنه تعلق بها حق الله ورسوله وجميع المؤمنين، وبهذا يظهر الفرق بين الساب وبين الكافر، لجواز إقرار ذلك على كفره مستخفياً به ملتزماً حكم الله ورسوله، بخلاف المظهر للسب." (الصارم المسلول : ج1) ..
وقال رحمه الله " قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قتل كافر فهو حد من الحدود، ليس قتلاً على مجرد الكفر والحراب، لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه جناية زائدة على مجرد الكفر والمحاربة ومن أن النبي وأصحابه أَمروا فيه بالقتل عيناً ، وليس هذا موجب الكفر والمحاربة ، ولما تقدم من قول الصديق رضي الله عنه في التي سبت النبي صلى الله عليه وسلم : "إن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود"، ومعلوم أن قتل الأسير الحربي ونحوه من الكفار والمحاربين لا يسمى حداً ، ولأن ظهور سبه في ديار المسلمين فساد عظيم أعظم من جرائم كثيرة ، فلا بد أن يشرع له حد يزجر عنه من يتعاطاه ، فإن الشارع لا يهمل مثل هذه المفاسد ولا يُخْليها من الزواجر ، وقد ثبت أن حده القتل بالسنة والإجماع ، وهو حد لغير معين حي لأن الحق فيه لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم - وهو ميت - ولكل مؤمن ، وكل حد يكون بهذه المثابة فإنه يتعين إقامته بالاتفاق." (الصارم المسلول : ج1) ..
وقال "نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيره وتوقيره واجب، وقتل سابه مشروع كما تقدم ، فلو جاز ترك قتله لم يكن ذلك نصراً له ولا تعزيراً ولا توقيراً ، بل ذلك أقل نصره؛ لأن الساب في أيدينا ونحن متمكنون منه ، فإن لم نقتله مع أن قتله جائز لكان ذلك غاية في الخذلان وترك التعزير له والتوقير، وهذا ظاهر." .. (الصارم المسلول) ..
وقال القاضي في "خلافه" وابنه أبو الحسين: إذا سَبَّ النبي صلى الله عليه وسلم قتل، ولَم تقبل توبته، مسلماً كان أو كافراً، ويجعله ناقصاً للعهد، نص عليه أحمد.
وقال أبو المواهب العكبريُّ: يجب لقذف النبي صلى الله عليه وسلم الحدُّ المغلَّظ وهو القتل ، تاب أو لم يتب ، ذمِّياً كان أو مسلماً.
وقال القاضي الشريف أبو علي بن أبي موسى في "الإرشاد" وهو ممن يعتمد نقله: ومن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب، ومن سبه صلى الله عليه وسلم من أهل الذمَّة قتل وإن أسلم.
وقال أبو علي بن البناء في "الخصال والأقسام" له: ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم وجب قتله، ولا تقبل توبته، وإن كان كافراً فأسلم فالصحيح من المذهب أَنَّهُ يقتل أيضاً ولا يستتاب.
قال مالكٌ في رواية ابن القاسم ومُطرِّف: ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم قتل ولم يستتب .. قال ابن القاسم : من سبه أو شتمه أو عابهُ أو تنقَّصه فإنه يقتل كالزنديق .. وقال أبو مُصْعب وابن أبي أويْسٍ : سمعنا مالكاً يقول : من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل ، مسلماً كان أو كافراً، ولا يستتاب.
وقال القاضي عياضُ : "جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خِصَاله أو عَرَّض بِهِ أو شبّهه بشيءٍ على طريق السبِّ له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب: يقتلُ ، ولا نستثن فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد ، ولا نمترِ فيه ، تصريحاً كان أو تلويحاً ، وكذلك من لعنه ، أو تمنى مضرة له ، أو دعا عليه ، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذَّم ، أو عيَّبه في جهته العزيزة بسُخْفٍ من الكلام وهُجْرٍ ومنكرٍ من القول وزورٍ ، أو عيَّره بشيءٍ مما يجري من البلاء والمحنة عليه ، أو غَمَصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه ، قال : هذا كله إجماعٌ من العلماء وأئمةِ الفتوى من لدن أصحابه وهلم جرَّا".
وكذلك قال محمد بن عبدالحكم : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيِّيْنَ من مسلم أو كافر قُتِلَ، ولم يستتب ، قال: ورُوي لنا عن مالكٍ: إلا أن يسلم الكافر وقال أشهب عنه : من سب النبي صلى الله عليه وسلم مِن مُسلم أو كافر قتل ولم يستتب" (الصارم : ج1)
قال شيخ الإسلام " الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مطلقةٌ بقتل سابه،لم يؤمر فيها باستتابةٍ، ولم يستثن منها من تاب وأسلم، كما هي مطلقةٌ عنهم في قتل الزاني المحصن، ولو كان يستثنى منها حالٌ دون حالٍ لوجب بيان ذلك، فإن سب النبي صلى الله عليه وسلم قد وقع منه، وهو الذي عُلِّق القتل عليه، ولم يبلغنا حديثٌ ولا أثرٌ يعارض ذلك، وهذا بخلاف قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" فإن المبدِّل للدين هو المستمر على التبديل، دون مَن عَاد، وكذلك قوله: "التَّارِكِ لِدْينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ"، فإن مَن عادَ إلى دينه لم يَجُزْ أنْ يقال: هُوَ تَارِكٌ لِدِيْنِهِ وَلاَ مُفَارِقٌ لِلْجَمَاعَةِ، وهذا المسلمُ أو المعاهد إذا سبَّ الرسول ، فإن هذا الوصف واقعٌ عليه تاب أو لم يتب، كما يقع على الزاني والسارق والقاذف وغيرهم. (الصارم : ج2) ..
ليس لأحد إسقاط حد قتل الساب
وهنا أنقل بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية لما رأيت من افتيات بعضهم على أحكام الله وتحريفهم لحُكمه ومحاولة ليّ النصوص بإسم "الحكمة" التي أصبحت مرادفة في قاموس كثير من الناس "للخور والجبن" ، وبإسم "العقل" الذي أصبح معناه مقلوباً ، وبإسم "المصلحة" التي تنافي ما نصه الله في كتابه وبلغنا عن نبيه صلى الله عليه وسلم !!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "ومعلوم أن النّيْل منه أعظم من انتهاك المحارم، لكن لما دخل فيها حقه كان الأمر إليه في العفو أو الانتقام، فكان يختار العفو، وربما أمر بالقتل إذا رأى المصلحة في ذلك، بخلاف ما لاحق له فيه من زنى أو سرقة أو ظلم لغيره فإنه يجب عليه القيام به.
وقد كان أصحابه إذا رأوا مَن يؤذيه أرادوا قتله؛ لعلمهم بأنه يستحق القتل، فيعفو هو عنه صلى الله عليه وسلم ، ويبين لهم أن عفوه أصلح مع إقراره لهم على جواز قتله؛ ولو قتله قاتل قبل عفو النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرض له النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لعلمه بأنه قد انتصر لله ورسوله، بل يحمده على ذلك ويثني عليه ، كما قتل عمر رضي لله عنه الرجل الذي لم يرضَ بحكمه ، وكما قتل رجل بنت مروان، وآخر اليهودية السابة، فإذا تعذر عفوه بموته صلى الله عليه وسلم بقي حقاً محضاً لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه ، فتجب إقامته. (الصارم المسلول) ..
وقال بعدها بقليل " النبي صلى الله عليه وسلم قد كان له أن يعفو عمن سبه ، وليس للأمة أن تعفو عمن سبه، كما قد كان يعفو عمن سبه من المسلمين، مع أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب قتل من سبه من المسلمين."
وقال في موضع آخر " وتمام هذا المعنى أن يقال : بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يتعين القتل؛ لأن المستحق لا يمكن منه المطالبة والعفو" ..
وقال "فلما انقلب إلى رضوان الله وكرامته ، لم يبق واحدٌ مخصوصٌ من الخلق إليه استيفاء هذه العقوبة والعفو عنها ، والحق فيها ثابت لله سبحانه ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعباده المؤمنين، وعلم كل ذي عقل أن المسلمين إنما يقتلونه لحفظ الدين ، وحفظ حمى الرسول ، ووقاية عرضه فقط - كما يقتلون قاطع الطريق لأمن الطرقات من المفسدين، وكما يقطعون السارق لحفظ الأموال، كما يقتلون المرتد صوناً للداخلين في الدين عن الخروج عنه - ولم يبق هنا توهم مقصودٍ جزوي كما قد كان يتوهم في زمانه أن قتل الساب كذلك وتقرير ذلك بالساب له من المسلمين ، فإنه قد كان له أن يعفو عنه مع أنه لا يحل للأُمة إلا إراقة دمه ، فحاصله أن في حياته قد غُلِّب في هذه الجناية حقه ليتمكن من الاستيفاء والعفو ، وبعد موته فهي جنايةٌ على الدين مطلقاً ، ليس لها من يمكنه العفو عنها ، فوجب استيفاؤها ، وهذا مسلكٌ جيدٌ لمن تدبر غوره." (الصارم المسلول : ج2)
وفي هذا كله رد على من خالفوا نهج النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع صحابته وعلماء المسلمين ، وطالبوا الحكومة الدنمركية بالإعتذار للمسلمين ، ويكتفون بذلك ، فهذا ليس لهم ، وليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحق : لا عالم ولا حاكم ، بل يجب قتل هذا الكافر وتطهير الأرض منه ومن أمثاله حتى لا يتجرأ أحد على نبينا صلى الله عليه وسلم ، وحتى يُحفظ جناب الدين وتُعظم حرمات الأنبياء والمرسلين ..
أما المقاطعة الإقتصادية فحسنة ، ولكنها لا تكفي وليست هي الحد الشرعي ، إذ كيف يسبون نبينا وقرّة أعيننا وأغلى مخلوق عندنا ونكتفي نحن بعدم أكل الجبن !! أي ذل هذا وأي صغار !! ليس عز إلا بما أمر به الله ورسوله : القتل ، والقتل فقط ، هذا هو حكم الله ورسوله ، وكل من علم حكم الله وقال بغيره فهو : كافر أو ظالم أو فاسق ..
سب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من الردة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية "سب رسول الله صلى الله عليه وسلم - مع كونه من جنس الكفر والحراب - أعظم من مجرد الردة عن الإسلام، فإنه من المسلم ردة وزيادة كما تقدم تقريره، فإذا كان كفر المرتد قد تغلظ لكونه قد خرج من الدين بعد أن دخل فيه، فأوجب القتل عيناً؛ فكفر الساب الذي آذى الله ورسوله وجميع المؤمنين من عباده أولى أن يتغلظ فيوجب القتل عيناً، لأن مفسدة السب في أنواع الكفر أعظم من مفسدة مجرد الردة.
وقد اختلف الناس في قتل المرتدة، وإن كان المختار قتلها، ونحن قد قدمنا نصوصاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في قتل السابة الذمية وغير الذمية، والمرتد يستتاب من الردة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قتلوا الساب ولم يستتيبوه، فعلم أن كفره أغلظ، فيكون تعيين قتله أولى. (الصارم المسلول : ج1) ..
ونحن نقول لمن يدعي الإسلام وينشر مثل هذا بين المسلمين استخفافاً بالنبي الكريم : بأن عليهم أن يعلموا أنهم لا يُعجزون الله ، وأن حكمهم الردة والقتل ، فلينتهوا ، وإلا : فلا يلومن امرؤ إلا نفسه ..
يتبع >>>
كل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله ولا يكون الإمام إماما إلا بالجهاد لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام" (عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب -الدرر السنية 7 : 97 )
--------
|