دعوة لإعادة النظر !!!!
إننا في هذا العصر نعيش عصر انقلاب المفاهيم و طمس الحقائق و تشويش الرؤى و هذا يعود إلى سيطرة إعلام هدفه لصق المفاهيم دون موازين و دون معايير و هذا يكون بتأجيج العواطف و تحييد العقل الذي توزن به الأمور و تتضح به الحقائق و من جملة هذه الأشياء هي لصق تهمة التخلف و التبعية و العمالة للأجنبي في دول الخليج العربي و أظن أن هذا التشويش هو جزء من حملة الإساءة للإسلام لأنه و بوقفة تأمل منصفة و بتجرد و موضوعية و و فق معايير الموازنة نجد أن هذه الدول و خاصة السعودية هي الأقرب للعروبة و الإسلام من حيث العادات و الأخلاق و الآداب و التفاعل مع القضايا العربية و الإسلامية فعلى سبيل المثال لباسهم هو الأقرب للباس العربي و الإسلامي و كذلك مساعداتهم للدول المنكوبة هي الأكبر بين الدول العربية ولكنهم يعبرون عن تعاطفهم بطريقتهم الخاصة و هم يفضلون العمل أكثر من الكلام أما بالنسبة للتقدم فأظن أنه كل من زار دول الخليج و اطلع على النهضة التي فيها و الفرق الشاسع بينها و بين الكثير من البلدان العربية الأخرى التي انتهجت النهج العلماني في شتى المجالات و القطاعات فهناك مدن خليجية أصبحت تضاهي المدن الأوربية من حيث العمران و التنظيم و تطبيق التقنيات الحديثة و الإدارة و الالتزام بالنظام و المظاهر الحضارية الأخرى فأصبحت هذه الدول تتقدم على كثير من البلدان العربية بعقود بعد أن كانت متخلفة عنها بعقود فرب تلميذ فاق أستاذه فأصبحت هذه الدول مركز إشعاع حضاري في العالم العربي و آخرها هذه الثورة الإعلامية التي صححت الكثير من المفاهيم و نشرت الوعي بين الناس و استفاق الكثير من النيام و كذلك هناك معاير للوعي و التقدم و هو تقدير العلماء و أصحاب الشهادات العلمية فنلاحظ أن دول الخليج هي مركز جذب للعلماء و التخصصات العلمية و يتم إنزالهم المنزلة اللائقة بهم و لم يعرفهم الكثير من الناس إلا بعد مجيئهم إلى دول الخليج فقد كانوا مغمورين في بلدانهم بينما الكثير من الدول العربية الأخرى هي عامل طرد لهؤلاء .
و أما من حيث الاستقلالية فأظن أن الدول الخليجية هي الأكثر استقلالية لأن الغرب يريد فرض ثقافته على العالم كله من حيث اللباس و العادات و ....... و كما ذكرت سابقا إن دول الخليج العربي هي الأكثر حفاظاً على العادات العربية في شتى المجالات و الأكثر التزاماً بالإسلام و الدعوة إليه و دعم الدعاة و الأبحاث الإسلامية و المنظمات الإسلامية و هذا لا يروق للغرب و كذلك الأمر هي الأكثر استقلالية اقتصاديا فهي لا تأخذ قروض من البنك الدولي و غيره و التي تبتز المواقف و تفرض شروط و سياسات مقابل هذه القروض و المساعدات فالشخصية المستقلة هي التي تعتز بتراثها و عاداتها و تحافظ عليها و لا تذوب في الآخر فكرياً و ظاهرياً .
و أما بالنسبة للإشكالية الكبرى و هي وجود قواعد أجنبية على أراضيها فحسب رأيي المتواضع أننا في واقع يجب أن نعترف به و هو الضعف و الفرقة و اختلال موازين القوى و وجود ذئاب في منطقتنا تريد أن تفترس هذه الدول كما افترست شعوبها و نهبت خيراتها و سلبت حرياتها و داست كراماتها و شوهت عقيدتها و فكرها و طمست شخصيتها و أماتت الحس الوطني و الحس القومي و الديني فيها و ذلك باسم العروبة و باسم القضية المركزية فلسطين فاستعانت هذه الدول الخليجية بكلاب حراسة أجانب مقابل بعض قطع اللحم من أجل الحفاظ على دينهم و عقيدتهم و مالهم و كرامتهم و حريتهم و .......
و هذا يكون من باب الضرورات تبيح المحظورات و من باب ليس بالإمكان أفضل مما كان و من باب اختيار أخف الضررين فأيهما أخف ضرراً الأجنبي الذي يسمح لك بممارسة عقيدتك و الدعوة إليها و اختيار الفكر الذي ترغب و يحافظ على ممتلكاتك و يساعدك في تطوير بلدك مقايل جزء من مالك أم الأخ الذي يريد أن يفرض عليك تفكير و عقيدة و مذهب خاص به مخالف لجذورك و تاريخك و يريد أن يسلبك كل مالك و بعد ذلك يعطيك قوت يومك مقابل أن تعبده و تصفق له ليل نهار.
و الإشكالية الأخرى التي تثار و هي الاتجاه السلفي لدول الخليج و حسب ما لمسته من خلال مخالطتي للتيارين السلفي و الصوفي ، أولا إن تسمية وهابي مرفوضة بالنسبة لأتباعها فهم يقولون إن الوهابية ليست مذهباً أو اتجاهاً جديداً في الإسلام بل نحن سلفيون أي من أتباع بن تيمية و هو من بلاد الشام و هذا الخلاف بين التيار السلفي و الصوفي قديم له عقود و ليس جديداً و لكنه لا يصل إلى حد التكفير إلا في حالات خاصة و على الطرفين أن يتقبلوا بعضهما فالخلاف في الفروع و ليس في الأصول و هذا الخلاف مشروع في ديننا لأنه ناتج عن اجتهاد العلماء و الكل مأجور المخطأ و المصيب و التيار السلفي الغالب في دول الخليج معتدل فوالله منهم الصادقون الذين يتحرقون لما يصيب بلاد المسلمين من بلاء و يبذلون كل ما يستطيعون في سبيل الدعوة و منهم من يبكي إذا سمع كلام الله و خطابهم معتدل و يستشهدون بأقوال بعض أئمة الصوفية و يحبونهم مثل الجنيد و ابن ادهم و بشر الحافي و .......
والغلاة المتطرفون قليلون و أغلب السلفيين في بلادنا هم من النوع المتطرف و من خلالهم يتم إطلاق الأحكام ، وهناك مصطلح يستخدم و يساء فهمه و هو مصطلح الشرك فهذه الكلمة لها دلالتين الشرك الأصغر و هو الذي لا يخرج من الملة و يطلق على كثير من التصرفات و الاعتقادات الخاطئة و الشرك الأكبر و هو الذي يخرج من الملة فأحيانا يتم إطلاق كلمة شرك دون تحديد نوعه و هنا يحصل الالتباس و خلال السنوات الأخيرة حصل كثير من الإصلاح في الخطاب الديني لدول الخليج فالمشكلة هي في التعميم و إطلاق الأحكام على تيار بأجمعه و الأولى أن تطلق الأحكام على الأعمال و ليس على الجماعات حتى لا تحصل الفرقة ، وللعلم ففي دول الخليج الكثير من الصوفية و يمارسون طقوسهم بكل حرية ، و أذكر قصة واقعية حصلت معي التقيت ذات مرة و بالتقدير مع صديق لي مهندس في مدينة خليجية فكان أول ما كلمني به إنني أشعر الآن بأنني و لدت من جديد فقد كنت ضائعاً فأركض من قبر إلى فبر و أطلب منه و لا أدعوا الله القريب مني و الآن تعلمت العقيدة الصحيحة فأشعر بارتياح و طمأنينة فقلت له يا أخي أنت كنت مخطئاً في فهمك للدين و الصوفية فالصوفية الحقة ليست كذلك و لكن هناك الكثير من الجهل يؤدي إلى مثل هذه الأعمال المخالفة لجوهر ديننا و علماء الصوفية لا يرضون بذلك.
فالمشكلة في تخلف العرب و هدر طاقاتهم و طمس هويتهم و فرقتهم و طمع الأعداء بهم هي الأنظمة العربية التي انتهجت النهج العلماني فضاعت و ضيعت و تسببت في مجئ الأجنبي بهذا الشكل إلى بلداننا و هي سبب توليد الفكر المتطرف و الفكر المتحلل و هي سبب ضياع فلسطين و .........
والحل يكمن في عودتها إلى جذورها و عقيدتها الصحيحة و القيام بعملية إصلاح شاملة لما أفسدته طيلة السنوات الماضية .
و دول الخليج هي التي حافظت على الهوية العربية و الإسلامية من الضياع و أعادت الأمل بالنهوض من جديد بحفاظها على هويتها العربية و الإسلامية و احتضانها العلماء و الدعاة و المفكرين و المختصين و نشر نتاجهم في العالم العربي عبر التقنيات الحديثة .
وحسب رأيي ومن خلال استقراء الواقع و ليس من خلال قراءة الأنظمة المكتوبة أن النظام الملكي أفضل من الجمهوري في بلداننا العربية وذلك لأن الأنظمة الجمهورية تكرس معظم مقدرات البلد لحماية هذا الكرسي و يبقى الفتات للشعب و التنمية فتجد الأنظمة الأمنية لا حصر لها و المخبرين لا حصر لهم لحد أنه تم نزع الثقة بين أفراد الشعب فأصبح كلٌ يخاف الآخر و هذا سبب تفكك المجتمع و تخلفه ، بينما في الأنظمة الملكية لا يكون هذا الحرص على الكرسي إلا بقدر الضرورة لأن من ينازع على هذا الكرسي قليل و يتم صرف الجهود و الطاقات و الإمكانات لعملية التنمية و التطوير .
و للعلم إنني مواطن عربي غير خليجي ولكنني أعيش في دولة خليجية و كنت أحمل نفس الفكرة المغلوطة عن دول الخليج و لكنني بعدما رأيتها عن قرب وتأملت الواقع بتجرد و موضوعية أعدت حساباتي من جديد و علمت أن هناك يد مغرضة وراء هذا التشويش .
و للعلم أيضاً أن هناك أكثر من سبعة ملايين عامل مسلم في دول الخليج يستفيد من خيراتها و من وراء كل واحد ربما عشرة أشخاص أي أن هناك سبعين مليون مسلم يعيشون من خيرات الخليج فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان و قد يقول قائل و لكن بجهدهم فأقول لهم هذا أفضل من الصدقة لأنهم يأخذونها بعز و يشعرون بوجودهم ، فإذا كان في بلدكم رئيس وزراء شريف و مخلص و قام بفتح مشاريع تنموية في بلدكم و صارت هناك فرص عمل جديدة و تحسن دخل المواطن بشكل عام ألا يستحق هذا الرئيس الثناء و الشكر رغم أنه من واجبه ذلك و هو لم يدفع للعاملين من جيبه إذاً من باب أولى أن يكون هذا الشكر و الاعتراف بالجميل لدول الخليج و حكوماتها .


LinkBack URL
About LinkBacks
رد مع اقتباس
