قرأنا عبارة “القيادة فن و ذوق و أخلاق” عندما كنّأ في مرحلة الطفولة مئات و مئات المرات حتى صنّفها بعضنا بأنها في منزلة تقارب منزلة الحديث النبوي. فكانت مكتوبة على لافتات فوق الأبنية، و في كل زاوية و على أسوار معظم المدارس الحكومية – مدارس الأولاد بالطبع- و في التقاطعات، كانت تظهر هذه العبارة في الفواصل الثابتة التي بين الفقرات.
المهم في الموضوع أن العبارة حفرت في عقولنا الصغيرة حفرا كعبارة فقط كونها مثل أي مادة تعليمية تلقيناها في الصغر لم تترجم إلى واقع.
لو قّدر لأي شخص غريب عن مجتمعنا أن يقرأ تلك العبارة التي زيّنا بها الشوارع، ثمّ رأى حال القيادة في شوارعنا لاستنتج مباشرة أننا لا نعي معنى كلمة فن، و لا عندنا ذوق … ولا نعرف للأخلاق طريقاً!!
ببساطة حال الشوارع و من عليها عندنا مشابهة للحالة الفكرية في الوطن العربي: هوجاء، لا منطقية، و تتسم بالغوغائية التامّة. الشئ الوحيد المختلف هو أنك قد لا تستطيع إثبات هذه الصفات على الحالة الفكرية إلا أنه بإمكانك فعل ذلك بالنسبة للحال القيادة والأرقام خير دليل. قرأنا و قرأنا العديد من هذه الأرقام والإحصائيات المخيفة والتي تصدرنا قمة قوائمها بجدارة، و بحّت أصواتنا و نحن نشتكي من الحال الغير طبيعي للقيادة عندنا و من الاسلوب الأرعن للسائقين الذين يجوبون الشوارع يوميا وهم بحالة أشبه بحالة السائقين تحت تأثير الخمور!!!
جفّت دموعنا و نحن نبكي ضحايا الحوادث المرورية التي سقط ضحاياها من كل بيت و كل عائلة …… انفطرت قلوبنا و نحن نرى الحوادث المروّعة التي يذهب ضحيتها عوائل عن بكرة أبيها، كالنار التي لا تبقي ولا تذر…….تعبنا و نحن نترقّب عودة الآباء و الابناء و الزوج والإخوان يوميا من أعمالهم أو مشاويرهم و كأنهم عائدين من جبهة حرب مستعرة لا ترحم صغيرا ولا كبيرا……و سئمنا من الآباء الذين يتحينون بلوغ أبنائهم سن المراهقة حتى يسلموهم عن طيب خاطر مفاتيح السيارات غير آبهين بما يشكله هؤلاء المراهقين من خطر على أنفسهم و على الجميع في الطرقات …. و سئمنا و سئمنا و سئمنا ….
يكفي استهزاء بأرواح الناس…. يكفي استرخاص لمستقبل شبابنا ….. والأهم من كل ذلك يكفي استعباط يا مرورنا العظيم يا “أعيننا الساهرة” فقد بلغ السيل الزبى……
ألا يوجد حد للاستهتار وحالة اللامبالاة المستشرية لدى السائقين وأجهزة المرور؟ ألا نستطيع أن نمشي في الشوارع بدون أن يرافقنا شعور أننا على شوارع داخل إحدى ألعاب الننتندو أو البلاي ستيشن؟؟ متى سنستطيع التوقف عن رؤية عبارة
GAME OVER
تتراقص أمام أعيننا عندما يصر سائق السيارة التي خلفك على تجاوزك و أنت في خط أقصى اليسار حتى لا يبقى بينك و بينه سوى عدة سنتمترات؟؟ متى يصدر تعميم أو قرار يوضّح للإخوة السائقين أن القانون النافذ و الذي يتم تطبيقه على أرض الواقع هو قانون المرور و ليس قانون الغاب وبالتالي فإن ممارسات مثل الإصرار على تجاوز الإشارة الحمراء حتى و إن كنت خامس أو سادس سيارة و بأقصى سرعة يعتبر مخالف لأنظمة المرور و لا يتبع بأي حال من الأحوال قانون “من سبق لبق” ؟؟
المشكلة عويصة و معقدة و لها أكثر من سبب إلاّ أنّ من أهم أسبابها قلة أو قل انعدام الوعي الحضاري لدى الأغلبية، والأقليّة التي لازال لديها بعض الوعي تتنازل عنه عند أول إشارة و تبريرهم –الذي قد يكون مقبولاً أحياناً- هو أنه لا يمكنك القيادة كعاقل وسط المجانين فأنت تضطر اضطرارا لمجاراتهم وإلا
they will run you over
المحيّر في الأمر أنه وعلى الرغم من أن الوضع يزداد سوءاً يوما بعد يوم إلا أن أنظمة المرور لاتزال كما هي مكانك سر. عدا عن أسابيع المرور الهزيلة التي لم نرى لها أي فائدة تذكر سوى ظهور بعض المسؤؤولين في نشرات الأخبار المحلية و تصبح موضوع لإحدى حصص الإنشاء لطلبة المدارس لا نرى أي نوع من أنواع العقاب للمخالفين أو أي تطوير لهذه الأنظمة أو حتى تطبيق ما هو موجود منها على المخالفين. في نفس الوقت الذي رأينا فيه سهولة تمرير نظام إلزامية الفحص الدوري للسيارات و التأمين على الرخص؟!؟
وأخيرا المعادلة لها متغيّرين و لا يمكن حلها بدون البحث عن حل لكليهما: السائق و أنظمة المرور. لأن التجارب و الزمن أثبت أن الناس تخاف ما تختشيش، وان اللي اختشوا already ماتو….. وعظّم الله أجرنا و أجركم ا!!