|
بقية الموضوع -
30-10-04, 12:38 am
آداب الحــــــــــــــــوار الصحيح
إن آداب الحوار الصحيح، هي بإيجاز:
أولاً: حسن المقصد والإخلاص لله :
فليس المقصود من الحوار العلو في الأرض، ولا الفساد، ولا الانتصار للنفس، ولكن المقصود الوصول إلى الحق .
والله تعالى يعلم من قلب المحاور ما إن كان يهدف إلى ذلك أم يهدف إلى الانتصار، والتحدث في المجالس أنه أفحم خصمه بالحجة. ضع في اعتبارك أنه يحتمل أن يكون الخطأ عندك والصواب عند غيرك. فعلى المُحاور ان يوطِّن نفسه، ويُروِّضها على الإخلاص لله في كل ما يأتي وما يذر في ميدان الحوار .
ثانيًا: التواضع بالقول والفعل:
من آداب الحوار: التواضع، وتجنُّب ما يدل على العجب والغرور والكبرياء و التزام القول الحسن، وتجنب منهج التحدي والإفحام:
إن من أهم ما يتوجه إليه المُحاور في حوار ، التزام الحُسنى في القول والمجادلة، ففي محكم التنزيل: . {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} (النحل: 125).
{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (البقرة: 83).
فحق العاقل اللبيب طالب الحق، أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية، وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز.
ويلحق بهذا الأدب: تجنب أسلوب التحدي والتعسف في الحديث، ويعتمد إيقاع الخصم في الإحراج، ولو كانت الحجة بينه والدليل دامغاً.. فإن كسب القلوب مقدم على كسب المواقف. وقد تُفْحِم الخصم ولكنك لا تقنعه،
و لا بد من الاشارة إلى ما ينبغي من الشخص من استخدام ضمير المتكلم أفراداً أو جمعاً؛ فلا يقول: فعلتُ وقلتُ، وفي رأيي، ودَرَسْنا، وفي تجربتنا؛ فهذا ثقيل في نفوس المتابعين، وهو عنوان على الإعجاب بالنفس، وقد يؤثر على الإخلاص وحسن القصد، والناس تشمئز من المتعالم المتعالي، ومن اللائق أن يبدلها بضمير الغيبة فيقول: يبدوا للدارس، وتدل تجارب العاملين، ويقول المختصون، وفي رأي أهل الشأن، ونحو ذلك.
ثالثاً:البدء بمواضع الاتفاق :
إنّ بِدْءَ الحديث والحوار بمواطن الاتفاق طريق إلى كسب الثقة وفُشُوِّ روح التفاهم، ويصير به الحوار هادئاً وهادفاً.
الحديث عن نقاط الاتفاق وتقريرها يفتح آفاقاً من التلاقي والقبول والإقبال، مما يقلّل الجفوة ويردم الهُوَّة ويجعل فرص الوفاق والنجاح أفضل وأقرب، كما يجعل احتمالات التنازع أقل وأبعد.
والحال ينعكس لو استفتح المُتحاورون بنقاط الخلاف وموارد النزاع، فلذلك يجعل ميدان الحوار ضيقاً وأمده قصيراً، ومن ثم يقود إلى تغير القلوب وتشويش الخواطر، ويحمل كل طرف على التحفُّز في الرد على صاحبه مُتتبِّعاً لثغراته وزَلاته، ومن ثم ينبري لإبرازها وتضخيمها، ومن ثم يتنافسون في الغلبة أكثر مما يتنافسون في تحقيق الهدف.
ومما قاله بعض المُتمرّسين في هذا الشأن:
دَعْ صاحبك في الطرف الآخر يوافق ويجيب بـ(نعم)، وحِلْ ما استطعت بينه وبين (لا)؛ لأن كلمة (لا) عقبة كئود يصعب اقتحامها وتجاوزها، فمتى قال صاحبك: (لا)؛ أوجَبَتْ عليه كبرياؤه أن يظلّ مناصراً لنفسه.
إن التلفظ بـ(لا) ليس تفوُّها مجرداً بهذين الحرفين، ولكنه تَحفُّز لكيان الإنسان بأعصابه وعضلاته وغدده، إنه اندفاع بقوة نحو الرفض، أما حروف (نعم) فكلمة سهلة رقيقة رفيقة لا تكلف أي نشاط جسماني.
ويُعين على هذا المسلك ويقود إليه؛ إشعارك مُحدثَّك بمشاركتك له في بعض قناعاته؛ والتصريح بالإعجاب بأفكاره الصحيحة وأدلته الجيدة ومعلوماته المفيدة، وإعلان الرضا والتسليم بها، وهذا كما سبق يفتح القلوب ويُقارب الآراء، وتسود معه روح الموضوعية والتجرد.
وممَّا يذكر عن سقراط -وهو أحد حكماء اليونان-، أنه كان يبدأ مع خصمه بنقاط الاتفاق بينهما، ويسأله أسئلة لا يملك الخصم أن يجيبه عليها إلا بنعم، ويظل ينقله إلى الجواب تلو الآخر، حتى يرى المناظر أنه أصبح يُقر بفكرة كان يرفضها من قبل.
رابعاً : احترام الطرف الآخر:
ينبغي في مجلس الحوار التأكد على الاحترام المتبادل من الأطراف، وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بمنزلته ومقامه، فيخاطب بالعبارات اللائقة، والألقاب المستحقة، والأساليب المهذبة.
إن تبادل الاحترام يقود إلى قبول الحق، والبعد عن الهوى، والانتصار للنفس.
ومما يتعلق بهذه الخصلة الأدبية أن يتوجه النظر وينصرف الفكر إلى القضية المطروحة ليتم تناولها بالبحث والتحليل والنقد والإثبات والنَّقص بعيداً عن صاحبها أو قائلها، كل ذلك حتى لا يتحول الحوار إلى مبارزة كلامية؛ طابعها الطعن والتجريح والعدول عن مناقشة القضايا والأفكار إلى مناقشات التصرفات، والأشخاص، والشهادات، والمؤهلات والسير الذاتية .
خامساً : ترك التعصب لغير الحق:
يتعصب الإنسان -أحيانًا- لمذهب أو لوطن، أو قبيلة، أو لدعوة، أو لجماعة، فهذا ما يُسمى بالحزبية، بحيث يحيط هذا الشيء بعقله، فلا يملك عقلاً متحررًا من القيود والأوهام؛ بل تجده يدور في فلك معين، ولا يستطيع أن يتقبل الحق إلا في إطار محدود.. وإذا حدث ذلك فعليك بالتالي :
-أولاً: دع زمام الحديث بيده حتى ينتهي
- ثانيًا: اعترف بصوابه فيما أصاب فيه، والحق ضالة المؤمن .
- ثالثًا: إذا انتهى فانقد الخطأ بطريقة علمية، بعيدة عن العواطف.
وما أعز وأصعب وأندر أن يتخلص الإنسان من التعصب -أي لون من ألوان التعصب-؛ فإن الحزبيات قد أثَّرت في المسلمين تأثيرًا كبيرًا جدًّا.
وقفــــــــــــــات :
- من غاية الأدب واللباقة في القول وإدارة الحوار ألا يَفْتَرِضَ في صاحبه الذكاء المفرط، فيكلمه بعبارات مختزلة، وإشارات بعيدة، ومن ثم فلا يفهم. كما لا يفترض فيه الغباء والسذاجة، أو الجهل المطبق؛ فيبالغ في شرح مالا يحتاج إلى شرح وتبسيط مالا يحتاج إلى بسط.
ولا شك أن الناس بين ذلك درجات في عقولهم وفهومهم، فهذا عقله متسع بنفس رَحْبة، وهذا ضيق الأفق ، وآخر يميل إلى الأحوط في جانب التضييق، وآخر يميل إلى التوسيع، وهذه العقليات والمدارك تؤثر في فهم ما يقال. فذو العقل اللمّاح يستوعب ويفهم حرفية النص وفحواه ومراد المتكلم وما بين السطور، وآخر دون ذلك بمسافات. ولله الحكمة البالغة في اختلاف الناس في مخاطباتهم وفهومهم.
-إن من الخطأ البيِّن في هذا الباب أن تظن أنّ الحق لا يغار عليه إلا أنت، ولا يحبه إلا أنت، ولا يدافع عنه إلا أنت، ولا يتبناه إلا أنت، ولا يخلص له إلا أنت.
- ومن الجميل، وغاية النبل، والصدق الصادق مع النفس، وقوة الإرادة، وعمق الإخلاص؛ أن تُوقِفَ الحوار إذا وجدْت نفسك قد تغير مسارها ودخلتْ في مسارب اللجج والخصام، ومدخولات النوايا.
-إن البعض يهوِّلون أقوال الآخرين، ويحمِّلون كلامهم من الضخامة ما لا يخطر إلا في نفوس مرضى القلوب، لماذا؟ لئلا يتجرأ أحد على القول بمثل ما قالوا، أو نصرة ما ذهبوا إليه .
- إن الاعتراف بالحق وإعلانه لا ينقص من قيمة الإنسان، فكونك تقول في مناظرة أو محاورة أو محاضرة: أنا أخطأت في كذا، هذا لا يعيبك؛ بل هذا يرفع منـزلتك عند الناس، ويدل على شجاعتك وقوتك، وثقتك بنفسك
مثال من الحوارات ...
قصة طريفة جرت بحضرة الإمام أحمد، وذلك أن الشافعي وإسحاق تناظرا في جلود الميتة إذا دُبغت هل تطهر، أو لا تطهر؟ فقال الشافعي: دباغ جلود الميتة طهورها، فإذا دُبغ جلد الميتة طهر، قال إسحاق: ما الدليل؟ قال: الدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد شاة ميتة، أُعطيَتها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هلا انتفعتم بجلدها؟"، قالوا: إنها ميتة، فقال: "إنما حَرُم أكلها"
قال إسحاق: دليلي على أن جلود الميتة لا تطهر: حديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إليهم قبل أن يموت بشهر: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"يعني لا بجلد، ولا بعظم، وهذا يمكن أن يكون ناسخًا؛ لأنه قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بشهر، قال الشافعي: هذا كتاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وذاك سماع، والسماع مقدَّم، فقال له إسحاق: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وغيرهم، وكان ذلك حجة عليهم عند الله تعالى، فسكت الشافعي.
والغريب في الأمر أن أحمد بن حنبل ذهب بعد تلك المناظرة إلى حديث عبد الله بن عكيم وقال به، ثم رجع عنه فيما بعد، وكذلك رجع إسحاق إلى حديث الشافعي وقال به وهذا دليل على تجردهم، وسعيهم للوصول إلى الحق.
مصادر البحث .. مقالات ودراسات لكل من :
الشيخ سلمان بن فهد العودة .
الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد.
|